الرياض تُفعِّل وتزخًّم رعايتها لـ«الطائف»

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on telegram
Share on twitter

الرياض تُفعِّل وتزخًّم رعايتها لـ«الطائف»

في خضم تصاعد الاستعدادات لإنجاز الاستحقاقين الحكومي والرئاسي، يبدو انّه برز قرار سعودي بتفعيل وتزخيم رعاية المملكة العربية السعودية لـ»اتفاق الطائف»، في اتجاه استكمال تنفيذ ما تبقّى من بنوده وتصحيح ما ارتُكب من أخطاء في البنود المنفّذة منه. وترغب الرياض ومعها عواصم عربية واجنبية وعامة اللبنانيين، ان يكون انتخاب رئيس جمهورية جديد في موعده الدستوري، بعيداً من أي تأجيل او فراغ، محطة مفصلية يخرج معها لبنان من الحجيم الذي سقط فيه.

لا يخرج اجتماع النواب السنّة في دار الفتوى السبت المقبل، في زحمة التطورات المتصلة بالملف الحكومي والاستحقاق الرئاسي، عن قرار سعودي بتفعيل وتزخيم رعاية المملكة العربية السعودية لاتفاق الطائف، وهي الرعاية التي أُنيطت بالرياض عملياً بعد تنحّي الجزائر والمغرب حبيّاً عن المشاركة فيها، في اطار «اللجنة الثلاثية العربية» الشهيرة، لإدراكهما عمق العلاقة التاريخية التي تربط المملكة بلبنان، وقدرتها على المبادرة فيه منذ تأسيسها في 23 ايلول عام 1932 والذي تصادف ذكراه غداً.


وقد بلغت هذه الرعاية السعودية لـ»الطائف» أوجها أيام الحقبة السورية في ظلّ الوجود العسكري السوري في لبنان وازدهار التعاون بين السعودية وسوريا المعبّر عنه يومها بصيغة الـ «سين ـ سين» الشهيرة، والتي كانت آخر مظاهرها بعد بضع سنين من المقاطعة والجفاء بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، حيث زار ملك السعودية الراحل عبدالله بن عبد العزيز سوريا في 7 تشرين الاول عام 2009، وقد أثمرت هذه الزيارة، من ضمن ما أثمرته في حينها، تأليف حكومة لبنانية جديدة برئاسة زعيم تيار «المستقبل» سعد الحريري، الذي كان يتعثر في هذه المهمة إثر الانتخابات النيابية التي جرت في حزيران 2009 وفاز فيها وحلفاؤه في فريق 14 آذار بالأكثرية النيابية.

وقد زار الحريري دمشق في 19 كانون الاول 2009 بعد ما يقرب من شهرين على زيارة الملك عبدالله لها، ثم زارها في 18 ايار 2010. ثم كانت للملك عبدالله زيارة ثانية لسوريا في 28 تموز 2010 انتقل بعدها والرئيس السوري بشار الاسد معاً في الطائرة الملكية إلى لبنان وانعقدت قمة تاريخية جمعتهما بالرئيس ميشال سليمان في حضور رئيس مجلس النواب نبيه بري والحريري، وكان تشديد في البيان الختامي لهذه القمة على «استكمال تنفيذ اتفاق الطائف».


على انّ الحراك الديبلوماسي السعودي الذي يقوده هذه الايام سفير خادم الحرمين الشريفين في لبنان وليد البخاري في اتجاه مختلف القيادات والفاعليات السياسية والدينية، يدحض قول البعض انّ الرياض نفضت يدها من لبنان ولا تتعاطى باستحقاقاته الراهنة، الامر الذي اكّده رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، إثر استقباله البخاري قبل يومين، حيث قال انّ لدى السعودية «اهتماماً كبيراً» بلبنان، وأنّها «حضّرت للبنان حزماً كبيرة من المساعدات، والمهم أن يكون لدينا رئيس جمهوريّة ورئيس حكومة وحكومة ودولة جديرة بالثقة، لأنّ المملكة ليست على استعداد للتعاطي مع أي مسؤول لبناني منغمس في الفساد المالي أو السياسي».

ثم كان للبخاري لقاء في اليوم نفسه مع رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، إندرج ايضاً في اطار تفعيل الرعاية السعودية لـ»الطائف» وضرورة انتقال لبنان إلى عهد رئاسي جديد يعيد الحيوية لهذا الاتفاق.


وفي رأي متابعبن، انّ الموقف السعودي المعلن والذي عبّر عنه البخاري خلال غداء أقامه رئيس حزب «الحوار الوطني» النائب مخزومي على شرفه قبل ايام، هو انّ الرياض تريد للبنان «ان يباشر الإصلاحات وإجراء الاستحقاق الرئاسي في موعده»، مؤكّداً «انّ رؤية ولي العهد الامير محمد بن سلمان المستقبلية والمشاريع التي تعدّها المملكة ليست للسعودية فحسب بل للشرق الاوسط كله»، وبالطبع ضمنه لبنان.

إعلان


بعض المطلعين على الموقف السعودي يقولون انّ الرياض التي تعتبر انّ الاستحقاق الرئاسي اللبناني هو شأن داخلي، لكنها في الوقت نفسه، وانطلاقاً من علاقتها ومصالحها التاريخية في لبنان، ترى ان يكون هذا الرئيس موضع توافق لبناني، بحيث يكون للجميع وليس لفريق بعينه، ويأخذ في الاعتبار اهمية الحفاظ على عروبة لبنان وعلاقته بعمقه العربي، لأنّ المملكة تدرك انّه حتى ولو كان الرئيس اللبناني، أي رئيس لبناني، موالياً لها او لغيرها، لن ينجح في مهمته ما لم يكن نتاج توافق لبناني ـ لبناني وعربي ـ عربي وعربي ـ دولي، تماماً كما كان «اتفاق الطائف» اتفاقاً لبنانياً ـ لبنانياً وعربياً ـ عربياً وعربياًـ دولياً، كما يصفه عرابوه، وعلى رأسهم الرئيس حسين الحسيني الذي نقل عنه البخاري في تغريدة له امس قوله: «إتِّفاق الطائفِ غيرُ صالحٍ للإنتقاءِ وغيرُ قابلٍ للتّجزِئة».

بمعنى انّ الرياض تعتبر أي تصرف في هذا الاتفاق ينبغي ان يأخذ الاعتبار تطوير النص إلى الافضل وعدم الانتقاء منه او تجزئته، لأنّ ذلك يعرّض هذا الاتفاق للسقوط، او على الاقل حرفه عن التوازنات الدقيقة التي ارساها. علماً انّ حراك البخاري هو حراك متكامل مع الاتصالات السعودية ـ الفرنسية ـ الاميركية في شأن مستقبل الوضع اللبناني، وهو يشارك من حين الى آخر في بعض اللقاءات التي تُعقد في باريس لهذه الغاية.


وتدرك المملكة، في رأي المتابعين، ايضاً انّ تفعيل رعايتها هذا الاتفاق «الآن الآن وليس غداً» انما يتطلب منها هذا الموقف المحايد الذي تعبّر عنه إزاء انتخاب رئيس الجمهورية.


وبغض النظر عمّا يروّجه البعض من انّها لا تريد رئيساً من فريق 8 آذار، وهي لم تعلن ذلك صراحة، فأنّها عندما تلحّ على انتخاب الرئيس في موعده الدستوري، فذلك من ضمن رعايتها تطبيقه حسب الدستور الذي انبثق من «اتفاق الطائف»، وهي على رغم علاقاتها المميزة مع بعض القوى السياسية اللبنانية، لا يمكن ان تنزلق إلى انحياز لهم في المطلق يمكن ان يولّد ردّات فعل معاكسة لدى القوى الاخرى، فيقع عندها الفشل الذي لا مصلحة لها ولا للبنان ولا لمكوناته السياسية ولا للبنانيين عموماً.

فلبنان يحتاج الآن إلى «رئيس يجمع ولا يفرّق»، كما قال رئيس مجلس النواب نبيه بري في 31 آب الماضي، بحيث يكون هذا الرئيس «الحَكَم» لا الحاكم كما جعله «الطائف»، محطة تاريخية لخروج لبنان من جهنم التي استقرّ فيها نتيجة الانقسامات العمودية والأفقية وبلوغ الفساد فيه مبلغاً لم تشهده اي دولة في العالم، ما تسبب في إحجام الأقربين والأبعدين عن مدّ يد العون له، في حين لو انّ القوى توافقت وأجمعت على التضامن لتمكينه من استخراج ثرواته الغازية والنفطية معطوفة على ما لديه من قدرات، لكان في غنى عن مساعدة الغير شقيقاً كان ام صديقاً.


على انّ البعض يتكهن في انّ الرعاية السعودية لاتفاق الطائف ستزدهر اكثر فأكثر إن تطورت العلاقة السعودية ـ السورية ايجاباً اكثر في اتجاه تطبيع العلاقات بين البلدين، وكذلك إن تطورت العلاقات بين الرياض وطهران في اتجاه تطبيع العلاقة بينهما، فمثل هذا التطبيع سينعكس ايجاباً على لبنان وكذلك على العلاقة بين الرياض وبعض خصومها اللبنانيين وعلى رأسهم «حزب الله» الذي حدّد انّ خلافه معها سببه حرب اليمن ولا شيء آخر، كما قال امينه العام السيد حسن نصرالله. وهذه الحرب متوقع لها ان تتوقف في موعد لم يعد بعيداً، وتوقفها لا بدّ انّه سيكون نتاجاً لتطبيع العلاقات بين الرياض وطهران وبين الرياض ودمشق، وبالتالي تنعكس عودة العلاقات اللبنانية ـ السعودية واللبنانية ـ العربية عموماً إلى طبيعتها.


يبقى انّ الحراك الديبلوماسي السعودي في لبنان على وقع الاستعداد لإنجاز الاستحقاق الرئاسي في موعده، سيؤسس إذا حقق مبتغاه، لعهد جديد في العلاقة اللبنانية- السعودية، خصوصاً انّ ما يصدر من مواقف إزاء انتخابات رئاسة الجمهورية عن خصوم المملكة اللبنانيين، يلتقي مع ما تريده لجهة انتخاب رئيس يتوافق عليه الجميع، وكذلك لجهة تمسّكها برعاية «اتفاق الطائف» واستكمال تنفيذه الذي ينادي به الجميع داخل لبنان وخارجه.

إعلان

إقرأ أيضا

“القوات” تقاطع: الرئيس أوّلا!

“القوات” تقاطع: الرئيس أوّلا! تتجه الأنظار من السراي الحكومي إلى ساحة النجمة لتحديد مصير الجلسة التي حددها رئيس مجلس النيابي نبيه بري لانعقاد الهيئة

انتقل إلى أعلى