أليز في مغدوشة

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on telegram
Share on twitter

أليز في مغدوشة

يروي الدكتور ابراهيم علامة قصة أليز في الجز 11 من القصة فقال :

قالت أم أمين لأليز إن ابنها أمين ذات يوم قرر أن يسافر من جديد إلى أي بلدٍ يستطيع الوصول إليه. وقال لأمه وهو يحزم أمتعته إنه ذاهبٌ إلى بيروت أولاً ليعمل بما يتيسر له حتى يجمع من المال ما يكفي لشراء بطاقة سفر وتأشيرة دخول لبلدٍ أوروبي وإن لم يستطع فإلى بلدٍ أفريقي. وقالت إنها اشترطت عليه أن يأتي لوداعها قبل أن يسافر. ومنذ ذلك اليوم وهي لا تعرف عنه شيئاً سألت بعض الشباب الذين يعملون في بيروت فقالوا إنهم لم يروه أبداً ثم خنقتها العبرة فسكتت عن الكلام لكن أليز ظلت تمطر الأخت بالأسئلة كلما ترجمت جملة من كلام أمها. ثم قالت محاولةً تخفيف الألم عن الأم:

– سأذهب إلى بيروت وأبحثُ عنه في كل مكان حيثُ يعملُ الناس وسأجده يا أماه لا تقلقين.

– أجابت الأم: ليس هذا بالأمر السهل على فتاةٍ مثلك. إنتظري يا ابنتي. كل الناس تعرف الآن أنك جئتِ من باريس لأجله ولا بد أن يتناهى الخبر إلى مسامعه أينما كان فيأتي إلى هنا بأسرع مما تتصورين.

إتصلت بي أليز من أحد السنترالات وأخبرتني عن خيبتها وقالت إنها منذ أسبوع وهي تنتظر أمين أن يعود إلى بيته وبدأ أملها في لقائه يتلاشى ولا تدري ما بوسعها أن تفعل ثم أنها لا تريد أن تُثقِل أكثر على عائلة أمين لأنهم يتكلفون كثيراً في ضيافتها. خففتُ عنها لوعتها وشجعتها أن تصبر قليلاً لأرى في ما يمكن أن تفعله.

إتصلتُ بجمال وأخبرته بآخر مستجدات أليز. وهو خير من ينصحني لأنه صاحب أوّل مغامرة من باريس إلى برج الشمالي إنتهت نهاية سعيدة بزواجه من نادين إبنة مخيم برج الشمالي. التاريخ يعيد نفسه الآن مع أليز الباريسية وأمين إبن قرية برج الشمالي.

– وسألته إذا كان بإمكان الجهاز الأمني في الجبهة الشعبية معرفة مكان أمين خاصة أنهم تحرّوا عنه فيما سبق، وأنهم كما يُشاع من أقوى الأجهزة الأمنية في الشرق الأوسط. وعدني خيراً وبالفعل اتصل بي بعد يومين ليزف لي بشرى العثور على أمين. قال إنه مع الجبهة الديمقراطية على خط المواجهة في مغدوشة!

– مغدوشة؟ يا إلهي!

فكرتُ كثيراً قبل أن أزفَّ البُشرى إلى أليز. لأنها ستطيرُ في الحال إلى مغدوشة وستتعرض إلى كل أنواع المخاطر على حياتها لأن المعارك ما زالت مشتعلة وعلى أشُدِّها. إتصلتُ بجليل. ورجوته إن يتواصل مع المسؤول العسكري للجبهة الديمقراطية ليبَلِّغَ أمين أن أليز عند أهله في برج الشمالي. وحبذا لو أعطاه مأذونية ليذهب إليها ولو ليوم واحد. جليل اتصل بمسؤول الجبهة الديمقراطية فنفى هذا الأخير نفياً قاطعاً وجود أمين مع قوات الجبهة في مغدوشة. فعدت لجمال فقال لي معلوماتنا أكيدة مئة بالمئة وهذا طبيعي أن تنفي الجبهة الديمقراطية لأن أسماء مقاتليها على محاور القتال سرٌّ من أسرارها العسكرية ولو شاع خبر وجود أمين في معركة ضد حركة أمل لتعرض أهله في برج الشمالي لمتاعب لا يحمدُ عقباها.

انتظرتُ حتى تتصل بي أليز وأخبرتها بوجود أمين في مكان لا يمكن الوصول إليه وليس بوسعنا إلا أن ننتظر عودته سالماً إنشاء الله. وشددتُ على أنها لايجب أن تخبر أحداً بمكان وجوده وإلا ستتعرَّض عائلته لمضايقاتٍ كثيرة.

وما أن عرفَتْ أنه في مغدوشة حتى جُنَّ جنونها. وقالت إنها ستذهب في الحال إلى هناك!

بعدَ لأيٍ إستطعتُ أن أهدِّئ من روعها. ووعدتها بأن أحاول قصارى جهدي أن أجد لها حلاً بأسرع وقت شرط أن تحافظ على هدوئها وألا تتسرع في أي قرارٍ قد تندم على اتخاذه. ولما عادت إلى البيت وجدتْ جماعة من حركة أمل ينتظرونها. حيُّوها بكلِّ احترام، أحدهم يتكلَّم الفرنسيَّة بطلاقة. قال إنهم جاءوا أولاً ليطمئنوا أنها بخير وليطرحوا عليها بعض الأسئلة لضروراتٍ أمنية. سألوها:

– ما الغرض من زيارتك إلى لبنان؟

– وهنا أبدعت أليز وقالت إنها طالبة في باريس، تدرس الصيدلة وأبرزت بطاقتها الجامعية وبطاقة يحملها المتطوعون في الصليب الأحمر الفرنسي. وقالت إن جامعتها طلبت أن تقوم بمشروع دراسة ميدانية حول الأدوية التي منعتها منظمة الصحة العالمية وما زالت متداولة في بعض المناطق من العالم. واختارت لبنان لأن لها صداقات بين اللبنانيين الذين سافروا إلى فرنسا ومنهم أمين.

إعلان

– سألوها عن علاقتها بالتنظيم الشعبي الناصري. وهنا فهمت أن السائق الذي أقلها من بيروت ورأى مسلحي صيدا يستقبلونها في ساحة النجمة هو الذي أبلغهم بهذا.

– فقالت إنها لا تعرف كيف عرف المسلحون في صيدا بأمرها كانوا ينتظرونها وما أن وصلت إلى مدينتهم حتى اقتادوها إلى كبيرهم في أحد مقراتهم داخل صيدا وقالت حققوا معي تماماً مثلما تفعلون أنتم الآن.

– سألوها أين قضت ليلتها في صيدا. فصمتت برهة وتذكرت أن المسلحين عندما مروا بها قرب كاتدرائية الكاثوليك وسط صيدا قالوا لها هذا شارع الأوقاف لأن فيه وقف مسيحي ووقف إسلامي رمزاً للتعايش الإسلامي المسيحي. فقالت:

– بعد أن أطلق سراحي المسلحون أخذت أبحث عن فندق أقيم فيه حتى تفتح طريق الجنوب فلم أجد فلجأتُ إلى كنيسة وسط صيدا في شارع الأوقاف فوُفّقتُ بمن ساعدني وقدم لي المسكن.

– أخيراً أعادوا الترحيب بها في قريتهم وأوصوها أن تبلغهم عن وجهتها عندما ستغادر برج الشمالي إلى منطقةٍ أخرى، وانصرفوا.

لم يكن في جعبتي إلا جليل الذي لولاه لما وجدت لأليز حلاً. ممدوح نوفل المسؤول العسكري للجبهة الديمقراطية هو عرَّاب الهجوم على مغدوشة و هو الذي أقنع أبو عمار ومصطفى سعد ووليد جنبلاط بهذه الفكرة الجهنمية وهو الذي ذلل كل العقبات قبل ساعة الصفر وهو رجل مثقف ومفكر وأديب وكاتب ورومانسي استطاع جليل بمساعدة صديقٍ نافذٍ أن يقدم إلى ممدوح نوفل أليز بكل حماسها واندفاعها ومقدرتها على خوض كل المصاعب في سبيل ما تعتقد أنه حقٌ وخير. وهي طالبة في باريس تختص بالصيدلة وحبيبها الذي تبحث عنه مقاتلٌ في مغدوشة. رأى نوفل في أليز صورة عنه لأن من يفكر أن ينطلق من عين الحلوة ليحتل مغدوشة، والفرق بينهما مثل الأرض والسماء، لا بد أن يكون مجنوناً وستين ألف مجنون مثل أليز التي جاءت من باريس إلى هنا في هذا الوقت الجهنمي. نوفل هو الذي اختار بعناية مقاتلين لبنانيين يساريين ومخلصين لمنظمة التحرير فدفع بهم لمغدوشة ليكونوا مقبولين من الأهالي. فإذا أرسل إلى أهالي مغدوشة اليوم رفيقة ممرضة فرنسية من باريس تقف معهم ببدلتها الفدائية المرقطة إلى جانب حبيبها المقاتل، فلا شك أنها ستقع عند عموم سكان مغدوشة الذين رفضوا مغادرة بلدتهم موقعاً حسناً يشدُّ إزرهم ويخفف من عذابهم وما يكابدون.

في اليوم التالي إتصلت أليز فأبلغتها أنَّ بإمكانها أن تذهب إلى مغدوشة. وأن مشوارها يبدأ صباح الغد عند الساعة العاشرة من أمام مدرسة الراهبات في صيدا. ستنتظرها سيارة أجرة هناك فيها ثلاث ركاب. السائقون هناك ينادون عادةً (سراي-عين الحلوة) لكن هذا السائق سينادي (عين الحلوة – سراي) عندئذٍ يمكنها أن تركب معه. بعد الإتصال ذهبت أليز إلى مسؤول أمل في البلدة وأبلغته أنها ذاهبة إلى صيدا لتبدأ مشروعها من مستشفيات صيدا.

في صباح الغد خرجت أليز من البيت فوجدت سيارة أجرة في ساحة البلدة. سألها السائق:

– إلى أين؟

– إلى صيدا.أجابت.

– قال: تفضلي.

من محاسن الصدف أن السائق يتكلم الفرنسية جيداً. وقدَّم نفسه على أنه كان طالباً في باريس. ولما انهار سعر الليرة اللبنانية عاد إلى لبنان ليعمل سائق تاكسي. وأخذ يسألها عن الجامعة وباريس وأشياء كثيرة. ثم عن مشروعها وعن برنامج عملها في لبنان. وكانت تجيبه بكل لباقة بعد أن فهمت أنَّ الرجل في حقيقة الأمر ليس سائق تاكسي خاصة أنه لم يتوقف لراكبٍ واحد من الركاب الواقفين على طول الطريق بين صور وصيدا.

ما أن وصلا إلى صيدا حتى سمعت أليز صراخ سائقٍ آخر يصمُّ الآذان: واحد على عين الحلوة واحد على السراي. واحد على عين الحلوة واحد على السراي. فطلبت من سائقها أن يتوقف لأنها ستبدأ مهمتها من مستشفى صيدا الحكومي. ترجلت أليز من سيارة أمل وركبت في سيارة الجبهة الديمقراطية التي انطلقت بأقصى سرعتها باتجاه عين الحلوة.

(يتبع)

إعلان

إقرأ أيضا

لماذا فجّر معوّض قنبلته؟

لماذا فجّر معوّض قنبلته؟ تفاعلت النقاشات بين النواب خلال جلسة اللجان المشتركة، لتتفرّع إلى مسائل جانبية، من بينها ما كشف عنه النائب في تكتل

متى يرشّحون قائد الجيش علناً؟

متى يرشّحون قائد الجيش علناً؟ بات ترشيح قائد الجيش العماد جوزيف عون لرئاسة الجمهورية عنوان عدد غير قليل من اللقاءات التي تجري في لبنان

انتقل إلى أعلى