العسكر والطاقة والسلَّة الغذائية…إنها أزمة أوكرانيا

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on telegram
Share on twitter

العسكر والطاقة والسلَّة الغذائية…إنها أزمة أوكرانيا

كتب الدكتور رائد المصري:

بهدوء…فدعونا من التحليلات والتكهُّنات الكلاسيكية حول الأمن القومي والمدى الحيوي والجيوسياسي للدول، في الدفع لبناء مواقع وتحصينات متقدمة لحماية أمنها القومي، وهو ما دَرَجت عليه العادة في رسم معالم العلاقات الدولية منذ تكوين الدولة القومية الحديثة، حيث أنَّ ما كشفته أزمة أوكرانيا أو الحرب الروسية المُخَطَّطة سَلَفاً والمُعَدَّة بإتقان إستخباراتي مُحْكَم، يجعلنا أمام معطيات جديدة ومختلفة في إعادة ترتيب للنظام الدولي بعد هذه الحرب، بقواعد مختلفة عمَّا سبق، خصوصاً بعد تعقُّد وتشابك المصالح الإقتصادية والمالية، وكلُّها تدور حول منافع يتقاسمها النظام الرأسمالي الذي يجدد اليوم قواعده من داخل الصَّحن أو السلة الواحدة التي يحكمها مفهوم إقتصادي رأسمالي وليبرالي، صارت الصين بقوة الأمر والإنصهار شريكة أساسية فيه..ولذلك هي تبني مواقفها حول الحرب الروسية _الأوكرانية وترسمها بدقة وحصافة تامة…

برودة التحالفات

حُكماً هناك تصدُّعات أصابت الحلف الأطلسي منذ عقد من الزمن على الأقل، وهذا الحِلف كانت له أهدافه الإيديولوجية والإستقطاب عبر الأطلسي وصولاً الى أوروبا، حيث أحدثت هذه التصدُّعات أو التفسخات فيه خللاً وفراغاً إستراتيجياً كبيراً على القارة الأوروبية بعدما توسعَّت في دول أوروبا الشرقية إثر أنفراط العَقد السوفياتي..

وحتماً أنَّ بحر الإنهيارات والتراجعات التي قادت الولايات المتحدة في مسار أدائها العسكري والسياسي الديبلوماسي حول العالم، آخرها كان طريقة وأسلوب الإنسحاب من أفغانستان، وترك واشنطن لهذا الفراغ الإستراتيجي الكبير في منطقة تعجُّ بالصدامات وبالصراعات،والغنية بالنفط والغاز وبالممرات الحيوية البرية والبحرية، تلازَم هذا التراجع مع مواقف متردِّدة للرئيس الأميركي جو بايدن وهو بالأساس كشخصية لا يمتلك كاريزما قيادية، تواجهه صعوبات داخلية وحزب جمهوري متربِّص لتشليحه الأغلبية في إتخاذ القرارات المصيرية ليستكمل مسار ترامب في نهجه الإنعزالي..

قيادات ضعيفة

وهناك إفتقاد لحسن القيادة أو لنقل الحِكمة في إتخاذ القرارات المصيرية على مستوى قادة العالم، حيث لا ثقة بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى الرئيس الروسي، وشاهدنا كيف تعاطى معه بخفَّة وعدم إهتمام، بما يوحي أنه لا وزن له ولا قيمة، خصوصاً إذا عرفنا من تجربته في طرح المبادرة لحلِّ الأزمة اللُّبنانية من دون تحقيق أية نتيجة، لا بل تم التسويغ والتضليل المقصود من قبل السلطة الحاكمة في لبنان وهي التي تسبَّبت بكلِّ المآسي والإفقار للشعب اللُّبناني جهاراً…وهذا أعطى أمثولة على حالة الضَّعف والخواء لدى هؤلاء القادة في إتمام المبادرات بعد طرحها وكسب الثقة فيها…ومن هناك نعرف حجم التردُّد الفرنسي في مواجهة الأزمة الأوكرانية أو الحرب الروسية..

وإذا ما إنتقلنا الى المملكة المتحدة التي خرجت من الإتحاد الأوروبي، وهذا سبَّب إنتكاسة سياسية وإقتصادية وإضعاف للموقف الغربي أكثر، حيث صار مُلحقاً بالسياسات الأميركية، وهذا ما جعل بوتين مُهمِلاً لكلِّ قضايا أوروبا وتفصيلاتها، طالما أنَّه يتعامل مع الرأس وسيِّد القرار في واشنطن، فقام بوزْنِ سياساتها وطرْحِها ضمن التوازن الجيوسياسي، فوجدها في خفَّة وتآكل كبيرين..ناهيك عن المصالح والأموال النقدية والذهبية الروسية المتواجدة في بريطانيا، وكَثْرة رجالات الأعمال الروس الذي يُحقِّقون أرباحاً وإستثمارات بمئات المليارات من الدولارات،رغم فرض لندن حزمة عقوبات قاسية وموجِعة على النِّظام المصرفي الروسي على جينادي تيمشينكو وإثنين من المليارديرات الآخرين الذين تربطهم صلات وثيقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكذلك على خمسة بنوك روسية، وبنك آي إس، وجين بانك، وبرومسفايز بنك، وبنك البحر الأسود. بالإضافة لذلك فإن بنك روسيا يخضع لعقوبات أميركية منذ 2014 لعلاقاته الوثيقة بمسؤولي الكرملين،وهو ما قال الرئيس الأميركي جو بايدن إنه يعني أن الحكومة الروسية ستُمنع من التمويل الغربي.

تداعيات الحرب

اليوم أظهرت البيانات أنَّ السندات الدولارية الروسية واصلت خسائرها بعد الإعلان عن العقوبات الأميركية، وتراجعت الإصدارات طويلة الأجل إلى أدنى مستوياتها القياسية في التداول منذ منتصف التسعينيات، لكن ذلك سيكون له تأثير في الحد الأدنى،حيث أن البنوك الروسية الكبيرة مندمجة بعمقٍ في النظام المالي العالمي، ممَّا يعني أنَّ العقوبات المفروضة على أكبر المؤسسات يمكن الشعور بها خارج حدودها،وعليه فإن أكثر ما تخشاه البنوك والدائنون الغربيون هو إحتمال حظر روسيا من نظام الدفع العالمي المستخدم على نطاق واسع “سويفت”، الذي تستخدمه أكثر من 11 ألف مؤسسة مالية في أكثر من 200 دولة.

هذه الخطوات العقابية ستضرب البنوك الروسية بشدَّة، لكن عواقبها ستكون كبيرة ومعقدة،حيث إن حظر سويفت سيجعل من الصَّعب على الدائنين الأوروبيين إسترداد أموالهم، فيما تعمل روسيا على بناء نظام دفع بديل.

كل هذه المشاهد التي رآها بوتين بملء العين، وهو الذي يملك ترسانة عسكرية كبيرة ودقة صواريخ متناهية، سلَّحها بموقف ضامن للكنيسة الأرثوذوكسية، مع تجمُّع لكبار المجمعات الصناعية ورجالات الأعمال في الداخل الروسي والخارج، مع وصول إحتياطات الغاز الطبيعي في روسيا إلى نحو 47.2 تريليون متر مكعب، لتشكل المركز الأول عالمياً، حيث أنتجت في عام 2021 نحو 638 مليار متر مكعب من الغاز تمثل بــ 16.6% من الإنتاج العالمي، وصدَّرت نحو 200 مليار متر مكعب من الغاز العام الماضي ونحو 29 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال،بالإضافة الى إنتاج نحو 11 مليون برميل يومياً من النفط منذ مطلع العام 2022 مع زيادات تحالف أوبك+ المقررة للإنتاج، وقد بلغت صادراتها نحو 4.7 ملايين برميل يومياً لتحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد السعودية(أرقام صادرة عن جريدة العربي الجديد).

كما تتسلَّح روسيا بإنتاج القمح وعدد من منتجات الحبوب،حيث تسجِّل صادرات الغذاء نحو 30 مليار دولار، وتصدِّر 18% من صادرات القمح عالمياً، فيما تنتج 123 مليون طن من الحبوب إجمالاً، وتحتل المركز الرابع عالمياً في إنتاج الدواجن بـ3.7 ملايين طن سنوياً. هذا وتشكّل الإمدادات الروسية حوالى 40 في المئة من حاجة الغاز الأوروبية، فيما يتجه نحو 2,3 مليون برميل من الخام الروسي غرباً كل يوم عبر شبكة من خطوط الأنابيب.

أما عن صادرات موسكو للسلاح فقد بلغت 14 مليار دولار لتحتل المركز الثاني عالمياً،وتنتج 95 مليون طن سنوياً من الحديد تحتل بها المرتبة الخامسة عالمياً، وأيضاً تنتج نحو 5% من الفحم عالمياً بكمية تصل إلى نحو 430 مليون طن.

كل هذا الصعود في النمو المتسارع، تلازم اليوم مع التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، فإتَّجهت أنظار أسواق السلع الأساسية العالمية ناحية كييف التي تتعرَّض للنيران لتعود وتكتسب أهمية كبيرة من خطوط أنابيب النفط والغاز الطبيعي والقادمة من روسيا وتمر عبر أراضيها إلى أوروبا، وتلعب أيضاً دوراً مهماً في توريد القمح والصُّلب، وتشكل أوكرانيا رابع مصدّر للقمح والذرة عالميًا، وتعرف في أوروبا بسلة الخبز.

إعلان

كما تنتج أوكرانيا ما يقرب من 21 مليون طن من الصلب سنوياً، وتصدر نحو 60 بالمئة منه إلى مناطق مختلفة لا سيما أوروبا. بينما تزوِّد روسيا أوروبا بأكثر من ثلث الغاز الطبيعي الذي تستورده، و25 بالمئة من هذا الغاز يمر عبر أوكرانيا،كذلك وبحسب وكالة انباء الأناضول فأن خطوط الأنابيب المشيدين في أوكرانيا منذ أيام الإتحاد السوفياتي والواصلين الى أوروبا يمكن أن يحدث فيهما خللاً وإنخفاضاً كبيراً في كميات الغاز المصدرة، وهذه مشكلة يمكن أن تطرأ على مسار الأحداث والحرب..فكل ذلك لا يمكن إغفاله أو إهماله..

عربياً..

البورصات الخليجية هبطت على وقْع الهجوم على أوكرانيا وتراجعت جماعياً بشكل حاد،في حين وبالمقابل شهدت أسعار الغاز الطبيعي إرتفاعاً في العقود الآجلة لشهر مارس/آذار في أوروبا،رغم إعلان شركة غازبروم الروسية للطاقة في بيان لها من أنها ستواصل نقل الغاز الطبيعي عبر أوكرانيا تماشياً مع العقود،ومعها يبرز خط أنابيب الصداقة وهو الأطول في العالم لنقل النفط، كواحدٍ من أهم خطوط الأنابيب المتَّجهة إلى أوروبا، حيث ينقل نحو 100 ألف برميل من النفط يوميا، ويزوِّد بشكل أساسي دول أوروبا الشرقية، مثل سلوفاكيا والتشيك.

فهذا التوتُّر الجيوسياسي المتصاعد أثَّر بشكل كبير على أسعار النفط، ليرتفع سعر برميل برنت الى أكثر من 3 بالمائة، ويبلغ 103 دولارات للمرة الأولى منذ عام 2014.

ومع تجاوز أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل وتنامي مخاطر حدوث إضطرابات في إمدادات الطاقة جراء العملية العسكرية الروسية ضد أوكرانيا، تتجه أنظار أوروبا والغرب إلى السعودية، كأحد أكبر مصدِّري النفط الخام، والى قطر كأحد أكبر مصدِّري الغاز لزيادة الطلب على صادراتهم الرئيسية من موارد الطاقة، رغم أنَّ نقل الإمدادت من الطاقة والغاز المُسال لن يكون بهذه السهولة حتى لو تمَّت الموافقة،ولن يكون هناك حل خارق بحال إنهيار إمدادات النفط والغاز الروسي إلى أوروبا أو على مستوى العالم.

إذن إقتصاد دولي مُربك رغم الآمال التي تطمع بها كل من أوروبا وأميركا في أن تقوم الدوحة كأحد أكبر مصدِّري الغاز الطبيعي المُسال في العالم بإعادة توجيه الصادرات المخصَّصة للأسواق الآسيوية إلى أوروبا، ورغم توضيح الدوحة بأنَّ قدرتها محدودة في تحقيق إنتاج إضافي من الغاز الطبيعي المسال، حيث أن هناك قيوداً على الكميات التي يمكن تغيير وجهتها ،بالإضافة الى دعوة بعض مستوردي النفط الرئيسيين تحالف أوبك بلاس بقيادة السعودية وروسيا إلى الضخِّ بشكل أكبر لإستخدام جزء من طاقتها الإنتاجية الاحتياطية، وبالرغم كذلك من أنَّ قمة الدوحة الأخيرة قد ألْقَت بظلالها على الأزمة الأوكرانية المتفاقمة،فإنَّ الدول الرئيسية المصدّرة للغاز ومن بينها روسيا غير قادرة على ضمان مستوى الأسعار أو الإمدادات.

كما لم تُظهر السعودية أي نية لزيادة الإنتاج وهي اللاعب الرئيس إلى جانب روسيا في تحالف أوبك بلاس الذي يتحكَّم بكميات الإنتاج لتحقيق الاستقرار في السوق منذ سنوات.

وقطر والسعودية حليفتان للولايات المتحدة لكنّهما قريبتان أيضاً من موسكو، وهذا هو جوهر تشابك وتعقيد المصالح الدولية الإقتصادية. وقد تطوّرت علاقاتهما الاقتصادية والسياسية مع روسيا منذ سنوات، فالسعودية ترى بحسب وجهة نظرها أن هناك قيمة كبيرة في إبقاء روسيا شريكاً مع أوبك،إذ أن أوبك بلاس هي منظّمة تكنوقراطية وتعمل لصالح السوق،بمعنى أن السعوديين سيدافعون عن تقاربهم النفطي مع موسكو.

فهذه الأزمة يمكن أن تمنح دول الخليج المنتجة للنفط والغاز ومعها بعض البلدان العربية الفرصة لتسليط الضوء على أهمية مواردها، ولذلك برزت أهمية قمَّة الدوحة الأخيرة لمصدِّري الغاز والتي أصرّت فيها قطر على أنّ الأسعار القياسية في أوروبا ترجع جذورها إلى النقص في الإستثمار أي حتى قبل الأزمة الأوكرانية، وطالبت بعقود طويلة الأجل تصل إلى 25 عامًا. فالعرب اليوم أمام لحظة تاريخية قد يكون لهم فيها نفوذ للتأكيد على أهميتهم في الإقتصاد العالمي وفائدتهم كمنتجين وأصحاب قرار.

ختاماً فإنَّ ما يحصل في أوكرانيا اليوم هو مقدّمات لمخاض عسير في إعادة تشكيل نظام عالمي جديد، لا يعرف أحد أين سينتهي بسبب تعقُّد شبكات المصالح المتداخلة، فكلُّ السيناريوهات مفتوحة حتى الحرب بين القوى العظمى بسبب إنعدام الوزن في قيادات مسؤولة عن تنفيذ سياسات محوكمة، لكن في كلِّ الأحوال العالم مُقْبل على حقبةٍ جديدة من الإستقطابات الحادة ستتظهر ملامحها بعد الحرب الروسية_الأوكرانية،لربَّما ستكون حرباً باردة بين أقطاب متعدّدة، إن بقيت ذات التحالفات قائمة، أو ربَّما ستكون حروباً تجارية أو حروباً بالوكالة…تلك مأساة أو مسيرة النظام الرأسمالي تاريخياً في إعادة تجديد دوراته للتخلُّص من فوائض رؤوس الأموال أو إعدامها…

د.رائد المصري/أستاذ محاضر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

كاتب سياسي عربي.

مدير مركز الراصد الإخباري العربي والدولي.

المصدر : مجلة فوكس

إعلان

إقرأ أيضا

طلاّب “اللبنانية”: نخاف ألا نعود

طلاّب “اللبنانية”: نخاف ألا نعود كتبت زينب حمود في “الأخبار”: نفذت مجموعة من الطلاب في الجامعة اللبنانية، أمس، وقفة احتجاجية أمام مبنى الإدارة المركزية

انتقل إلى أعلى